الأم في ضوء الإسلام
إذا أردت أن تغيّر مجتمعاً فابدأ من الأسرة، وإذا أردت أن تغيّر الأسرة فابدأ من المرأة، هذه ليست مجرد كلمات تمرّ على الأذهان، بل حقيقة أثبتها التّاريخ والتّجربة.
فحين تتأمل التاريخ تجد خلف كل قائد عظيم أمّاً ربّت، وزوجةً ساندت، وامرأةً آمنت بالدور قبل المجد، فالمرأة ليست عنصراً مكمّلاً في المنزل، بل هي مَن تصنع الرّوح فيه؛ فتارةً تكون تلك الأم المربية التي تغرس الخير وتعلم الأخلاق، وتارة تلك الزوجة الصالحة التي تكون روحاً تؤنس زوجها، وسنداً حيث تثقل به الأيام.
في هذا المقال نسلط الضوء على هذا الدور المحوري في بناء أيّ أسرة، من التربية والتنشئة حتى التماسك العاطفي، إلى بناء جيل لا يهتز أمام الأزمات.
أولاً: المرأة في الإسلام: (من التكريم إلى التكوين)
أ- مكانة المرأة في الإسلام:
منذ بزوغ شمس الإسلام وسطوع نوره أتت التشريعات الإسلامية مؤكدةً أهمية المرأة، رافعةً من قدرها، مُكرمةً لشأنها، بعد عصور عانتها من الظلم والتهميش.
فقدّر الإسلام أنوثة المرأة، وعدّها مكملاً للرجل كما أنه مكملٌ لها، فقد اقتضت حكمة الله في المخلوقات أن يكون الازدواج من خصائصها، فترى أيضاً الذكورة والأنوثة في عالم الحيوان والنبات، وأشار القرآن إلى ذلك حيث قال تعالى: ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الذاريات/ 49، فالمرأة لم تُخلق لتكون ندّاً للرجل ولا خصماً له، بل هي منه وله، كما قال تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
فقد كرم الإسلام المرأة أعظم تكريم، فأكرمها وأنصفها وهي بنت، وأكرمها وأنصفها وهي أم، وأكرمها وأنصفها وهي زوجة:
فقد أكد الوصية بها وهي أم، وجعلها تاليةً للوصية بعد الله تعالى، وجعل بِرّها من أعظم الأعمال، وجعل حقها آكد من حق الأب لما تحمله من مشاق، فقد قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ﴾، وجاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النّاسِ بحُسْنِ صَحابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ. صحيح البخاري (٥٩٧١)
ثم أكرمها وهي بنت حيث كان العرب في الجاهلية يتشاءمون من ميلاد البنت، ويدفنونها وهي حية، فجاء الإسلام وحرّم ذلك كلّه، وأكد على أهمية تربيتها، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، وجعل الرسول الكريم تربية البنات والصبر عليهن سبيلاً لدخول الأب إلى الجنة، حيث رُوي عن ابن العباس عن النبي ﷺ أنه قال: “ما مِن مسلمٍ له ابنتانِ فيُحسِنُ إليهما ما صحِبتاه أو صحِبهما إلّا أدخَلتاه الجنَّةَ”.
ورفع الإسلام من شأن المرأة وهي زوجة؛ فجعل الزوجة الصالحة خير ثروة للرجل في زمان الفتن والمحن، فعن ابن العباس أن النبي ﷺ قال: “ألا أخبِرُكم بخيرِ ما يُكْنِزُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحةُ؛ إذا نَظَرَ إليها سَرَّتْه، وإذا غابَ عنها حَفِظَتْه، وإذا أَمَرَها أَطاعَتْه”، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: “الدُّنْيا مَتاعٌ، وَخَيْرُ مَتاعِ الدُّنْيا المَرْأَةُ الصّالِحَةُ”.
ب- مسؤولية المرأة: (ثغرٌ لا يُغفَل)
في الحديث الشريف عن ابن عباس -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: “كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ”.
هذا الحديث يؤكد أن لكل فردٍ منا دوراً يجب أن يؤديه، وثغراً يجب أن يلزمه، فالحذرَ الحذرَ أن يؤتى الإسلام من ثغرك!
والأسرة ليست مجردَ أشخاصٍ يعيشون تحت كنف بيتٍ واحد، بل بناء يقوم على كل من الأب والأم، فهي كالقلعة بقدر ما يحصّنها الأب من الخارج يجب أن تمكّنها الأم من الداخل، وأهم دور تأخذه المرأة على عاتقها هو حماية الأسرة والحفاظ على ثمرتها حتى تنضج، ألا وهو (الطفل).
فتكون الأم أول مَن يسمع منه الطفل، وأول مَن يبتسم له، وأول مَن يزرع فيه الشعور بالأمان أو الخوف، بالحنان أو الجفاء، وبذلك تصبح قدوة لطفلها، فكل كلمة منها تُغرَس، وكل تصرف يُقلَّد، وكل غياب يترك أثراً، فيكون لها الدور الأكبر في صقل شخصية الطفل وتكوينه، فالحذرَ الحذرَ أن يؤتى الطفل من مأمنه.
ج- العلاقة الزوجية: (مرآة الطفل الأولى)
الطفل يرى في والديه أول نموذج بشري متكامل، يتعلّم منه كيف يتعامل مع الآخرين، كيف يُقَدِّرُ ويُقَدَّرُ، فيتشرّب شكل العلاقة الأسرية الصحية أو المريضة.
علاقة الزوجة مع زوجها جزء لا يتجزأ من المنهج التربوي، فهي إما أن تكون قدوةً في التقدير والتعاون، وإما قدوةً سلبيةً في النزاع والصوت المرتفع والانفعال، فالطفل لا يتعلّم شكل الحياة الزوجية من القصص، بل من بيت والديه؛ فإن رأى بين أمه وأبيه مودةً وتفهّماً، تعلم أن الحياة الزوجية سكن ومشاركة، وحين يرى الطفل أمّه تعين والده وتقدره، يتعلم التقدير المتبادل، وعندما يشهد حواراتٍ راقيةً بين والديه يفهم أن الخلاف لا يعني العنف، بل يمكن أن يكون مساحة للتفاهم والنضج.
البيت الذي تسوده المودة هو بيئةٌ تربويةٌ تنمو فيها الشخصيات بثقة وسكينة.
اقرأ أكثر: بر الوالدين والإحسان إليهما
ثانياً: دور الأم العاطفي في بناء الطفل
أ- الأمان العاطفي:
منذ اللحظة الأولى للطفل التي يفتح فيها عينيه على هذا العالم، يبحث عن حضنٍ يطمئنه، وصوتٍ يألفه، وملجأ يسكن إليه، وهنا يبدأ دور الأم الأعمق لا كمرضعة أو راعية فقط، بل كمأوى نفسي وروحي.
إن العاطفة التي يتلقاها الطفل ليست ترفاً تربوياً، وليست سبباً في نعومة الطفل، بل هو حاجته الأولى بعد الطعام والنوم، ومن الضرورة بمكان معرفة أن التربية لا تؤتي ثمارها وتسمى ناجحة إلا بإيجاد الطفلِ الحبَ بينه وبين أبويه، فالحب هو الركيزة الأهم في أسس نجاح التربية، حيث إن الشخص الذي يحبك يتقبل منك أكثر من غيرك، والأبناء يميلون إلى والديهم إذا استشعروا محبتهم، ولذلك حريٌّ بالأم أن تلتمس الوسائل التي يشعر فيها الابن بجوٍّ من الحب والاطمئنان والتفقد لأحواله، وأن تعلم أن الاستقرار العاطفي سببٌ لقوة شخصية الطفل واطمئنان قلبه.
ب- الاستقرار العاطفي في ضوء الإسلام:
قد أشارت السنة إلى أهمية إظهار شعور المحبة سواء بالفعل أو القول، فلا يسع الأم الحنونة على طفلها إلا أن تأخذ من قبس سيرة سيد الخلق وأرحمهم ﷺ، حيث جاء في الحديث الشريف أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخَذ بيدِ معاذٍ فقال: “يا معاذُ واللهِ إنِّي لأُحِبُّك”، فإعلان المحبة بالقول والفعل دليل على الاهتمام به، فما
أجمل الشعور بالاطمئنان والهدوء النفسي الناتج عن مثل هذا التّصرف!
فكيف لو صُرف للأبناء؟!
وكان النبي ﷺ يمر بالصبيان ويسلّم عليهم ويمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالبركة، ويمر على الصبي الصغير فيمازحه ويداعبه وكل هذا يبعث على الاطمئنان في النفس.
وقد استعمل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رجلاً على عمل، فرأى الرجل عمر -رضي الله عنه- يُقَبِّل صبيّاً له، فقال: تُقَبِّلُه وأنت أمير المؤمنين؟! لو كنت أنا ما فعلتُه، فقال عمر -رضي الله عنه-: فما ذنبي إن كان قد نزع من قلبك الرحمة؟! إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ثم نَزَعَه عن عمله، وقال: أنت لا ترحم ولدك، فكيف ترحم الناس؟!
وأجمل من لخّص هذا الكلام الدكتور (سالم العجمي) في كتابه (التربية العاطفية للأبناء) حيث قال: “إن الجفاء الحاصل من بعض الأمهات لأبنائهن هو الذي وَلَّد هذه الحياة القاسية والوقائع البئيسة التي كثر بسببها الشكوى، مَثَلُ ذلك كأُناسٍ زرعوا حبّة في أرض قاحلة ثم تركوها بلا رعاية ولا سَقيٍ، ثم يريدونها بعد ذلك أن تُثمر، فكيف يكون ذلك؟!
وهؤلاء الأبناء كالحُبوب التي تحتاج إلى حُسن رعاية، فلا بدَّ من أرض صالحة تحتضنها، ولا بد من ينابيع صافية تسقيها، وأيدٍ ناصحة ترعاها، وإلا فلن تُؤتي ثمارها، أو أن تخرج ثمرتها ضعيفة مُهترئة لا ينتفع بها كليّاً، أو إلى حدّ بعيد”.
ثالثاً: التحدي الأكبر للأم في هذا العصر
في زمنٍ طغى فيه الضياع والفراغ الثقافي، وانجرف الأطفال خلف الشاشات، ضاعت براءتهم وتراجعت قيمة العلم والمعرفة…
تظهر الحاجة الملحّة لوعي الأم بدورها في حماية فكر طفلها، وتنقيته من تشويش هذا العصر، وغرس الأدب والعلم في نفسه، ليكون مختلفاً عن أقرانه.
ومع خطورة هذا التحدي نجد أن عدداً قليلاً من الأمهات يلتفتن إليه؛ فكم من أمّ تركت طفلها البريء ضحيةً للشاشات بلا وعي، وأسلمته لتيار لا يرحم، دون أن تدرك أن الوقاية تبدأ منها، فكيف تحثه على طلب العلم وعقله مشغول بما عرضت عليه تلك الشاشة الصغيرة حجماً، الكبيرة أثراً؟
إن الواجب اليوم هو أن تنشّئ الأم طفلها على المعاني السامية؛ فلا يلهث خلف تفاهات (الفيديوهات)، ولا يُعجب بكل من تصدّر أو اشتهر، بل تكون حريصة على تقويم ذائقته، وتوجيه اهتمامه. وهذا لا يعني تقييده أو حرمانه، بل تربيته على البديل الأنفع، فقد أثبتت الدراسات أن الإدمان على المقاطع القصيرة يُضعف التركيز، ويقلل الصبر، ويجعل الطفلَ مع الوقت غيرَ قادر على القراءة أو الاستماع الطويل.
ومن هنا، لا يكفي المنع وحده، بل يجب أن يُستبدل بالسيئ الحَسَن، وأن يُغرسَ مكانَ الشوك وردٌ، ويكون ذلك بالآتي:
ربطه بالمحتوى الهادف والقدوة الصالحة
دَعيه يشاهد ما ينمّي فيه الخير واللغة الفصحى، وبدلاً من ربطه بالمغنين اربطيه بالعلماء وقرّاء القرآن، ومَن يأخذ بيده إلى المعاني الرفيعة.
رواية السيرة والقصص الهادفة له
تحدّثي إليه عن سيرة النبي ﷺ، واسقي قلبه بمحبته، وعرّفيه على أبطال الإسلام، ليشعر بالعزة في دينه، وتترسخ في نفسه الهوية الصحيحة، فلا يُخدع ببريق الحضارة الغربية.
غرس حب القرآن والعلم فيه
حين تفتح الأم مصحفها أمام صغيرها، لا تعلّمه الحروف فقط، بل تزرع في قلبه روح القرآن وقدسيته؛ فإن كانت حافظة، شاركته الطريق، وإن لم تكن ساندته بدعائها وتشجيعها، حتى يُرى فيه القرآن حيّاً يُترجم إلى سلوك.
ومن الوسائل المعينة على هذا الغرس استخدام التطبيقات الهادفة مثل تطبيق (زُلفى)، الذي له حلقات تحفيظ للقرآن، تعين الأم على جعلِ القرآن قريباً من ابنها، وغرسِ القيم الإسلامية فيه.
فالمقياس ليس بما تُحفّظه الأم، بل بما تحبّب به القرآن لطفلها، قال الحسن البصري: “إن هذا القرآن لا يقرؤه أحد إلا ترك في قلبه أثراً”.
فكيف بالذي يتربى عليه منذ نعومة أظفاره؟!
اقرأ أكثر: بيت الحكمة: كيف أضاءت بغداد العالم؟
نموذج معاصر
ليس هذا الكلام مجرد كلام نظري، بل هناك نماذج معاصرة تثبت أن التربية الواعية تثمر حتى في زمن الشاشات والتحديات، ومنها قصة الشاب المغربي (يحيى صدقي)، الذي أصبح أصغر من سجّل القرآن الكريم كاملاً بصوته على قناة المجد.
لكنّ رحلته مع القرآن لم تبدأ بعد ولادته، بل قبلها؛ فقد كانت والدته تُسمعه (سورة مريم) وهو جنين في رحمها، حتى جاءها في المنام منادٍ يقول: “لا إله إلا الله، سمّيه يحيى”.
كبر الطفل، وكبرت معه أمّه وهمّتها، تغرس فيه القرآن آيةً آيةً، وكانت تقول له دوماً: “أريد أن أصلّي خلفك يوماً”.
مرت الأعوام، فحفظ يحيى القرآن، ووقف يوماً يؤمّ الناس، وكانت أمّه خلفه، ثم سجّله بصوته الندي، وعُرض مترجماً إلى عشر لغات، وهكذا ذهب التعب والنصب، وبقي غرس الأم فأثمر.
رابعاً: السنوات الأولى (مناهل التعليم ونواة التربية)
أ- التعليم الفعال في السنوات الأولى
إن أهم مرحلة في حياة الطفل عندما يكون في حال النشأة؛ فالابن في أول نشوئه أسهل انقياداً، وأسرع استجابةً، مَثله كمثل الأرض المجهزة للزراعة؛ إن أصابها ماءٌ نفع، وإن وضع بها بذر أينع.
فحين يولد الطفل لا يكون بحاجة فقط إلى الحليب والدفء، بل يحتاج إلى مَن يعلمه كيف ينظر إلى العالم؟ كيف يفهم ذاته؟ كيف يتكيف مع مَن حوله؟ وتبدأ المهمة الأولى والأهم بين أحضان الأم، فالسنوات الأولى في عمر الطفل تعد اللبنة الأساسية التي يُبنى عليها إدراكه ووعيه وطريقة تواصله مع العلم، ولا يأتي التعليم بصورته الأكاديمية المعروفة، بل ينبع من تفاصيل الحياة اليومية التي تمارسها الأم دون أن تلقِّن.
فحين تشير الأم للطفل إلى الأشياء من حولها وتسميها ترسخ لغته، وحين تجيبه عن سؤاله الصغير تعلمه أن فضوله مسموع، وحين تمهده للنوم بقصة تنمي خياله، وحين تفرح بإنجاز بسيط منه تقوِّي ثقته بنفسه.
وقد أشارت السنة النبوية إلى أهمية غرس الأسس منذ الصغر، فقال ﷺ: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر”.
وقد جسّدت هذا الكلام وترجمته واقعاً الأمهات السابقات؛ فتلك أم الإمام مالك تخاطب ابنها وهو في نعومة أظفاره قائلة له: “اذهب إلى ربيعة، وتعلم من أدبه قبل علمه”.
فكانت بكلمات يسيرة ترسخ فيه أهمية الأدب مقدمة إياه على العلم، فمَن لا أدب له لا حظ له من علمه.
ب- دور الأم التربوي
قد تُشبِع الأم طفلها حباً، وتُضيء عقله علماً، لكن ما يترسّخ في شخصيته هو ما يراه فيها من سلوك يومي؛ التربية ليست دروساً محفوظة، بل حياةً تمارس، لذلك كانت الأم هي المدرسة التي لا تُغلق أبوابها، والموجّه الذي يغرس في كل موقف قيمة، وفي كل خطأ فرصةً للتعلّم، وفي كل لحظة سلوكاً يبني فيه مبادئَ تبقى ما بقي الطفل.
فتكون الأم القدوة السلوكية له، فيأخذ الطفل من أفعالها قبل أقوالها، ومن حالها قبل قالِها، وبذلك يكون الطفل نسخةً واقعيةً عن تصرفات أمه؛ فهي لا تستطيع أن تعلمه الصدق وهي تكذب عليه، أو تطلب منه الترتيب ويراها مهملة!
فضلاً عن أن الأم الحكيمة تستغل كل موقف يومي لتعلم ابنها حكمة، وترسخ فيه مبدأ، فعند النجاح تعلمه التواضع، وعند الفرح تعلمه الشكر على النعم، وعند الإخفاق تعلمه أن كل إنسان يمر بمحطات فشل لكن ما يميز الناجح أنه يجعل منها دافعاً وحافزاً للتقدم حين يستسلم الفاشل، وعندما يخطئ ترشده أن الخطأ من الطبيعة البشرية، وهو فرصة لكسب الخبرة، وأن الاعتذار ليس عيباً، بل شيمةً لحسن الخلق، وهكذا تستمر الأم في تربية ابنها حتى ترسم ملامح شخصيته المستقبلية.
خامساً: نماذج تربوية (أمهات ربين قادة)
قد تتعلم الأم من الكتب كيف تُربي، وقد تدرس أساليب التربية الحديثة، لكن لا شيء يعدل أثر القدوة الملهمة، والتاريخ الإسلامي مليء بنماذج لأمهاتٍ عظيمات كُنَّ حجر الأساس في نشأة القادة، والمصلحين، والعلماء.
لم يكنّ يُربّين لأجلهن، بل كان في قلوبهن رسالةٌ واضحةٌ: “إن تربية الأبناء طريق إلى نهضة الأمة”، وسنستعرض معكم سيرة بعض صانعات القادة:
أم الإمام الشافعي
الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علماً وفقهاً وعبادة، قد مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فربّته أمه بعنايتها، وأشرقت عليه بحكمتها.
وكانت أم الشافعي -باتفاق النقلة- من العابدات القانتات، وحلمت أن يكون هذا الطفل عظيماً من العظماء، فأخذت به من غزة إلى مكة مهبط الوحي ومقصد العلماء، حتى يتسنى له حضور مجالسهم.
ثم بدأت بتعليمه القرآن حتى حفظه وهو ابن سبع سنين، ولما رأت عليه النجابة وعلامات الذكاء، ذهبت به إلى دار الهجرة (المدينة المنورة) فالتحق بحلقة الإمام مالك بن أنس (إمام دار الهجرة)، فطلب العلم على يديه، وتنقّل الإمام الشافعي بين مجالس العلماء، حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: “كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن”.
فرضِي الله عن الإمام الشافعي، وأجزل المثوبة لوالدته التي صبرت على تعليمه، وتعبت على تربيته.
أم القائد محمد الفاتح
وهذه أم محمد الفاتح كانت تأخذه وهو طفل صغير وقت صلاة الفجر ليرى أسوار القسطنطينية، وتقول: “أنت يا محمد تفتح هذه الأسوار”، والطفل الصغير يقول: “كيف يا أمي أفتح هذه المدينة الكبيرة؟” فكانت تقول له: “بالقرآن، والسلطان، والسلاح، وحب الناس”.
واستمرت على تربية هذا الطفل حتى بلغ عمره ٢٢ سنة، ومات السلطان مراد الثاني، فدخلت أمه عليه وهو يبكي على أبيه، فقالت له: “أنت تبكي؟ فماذا تفعل النساء؟ قم! القسطنطينية بانتظارك، وأعداء أبيك في كل مكان”.
وبذلك صنعت أم محمد الفاتح قائداً من قادة الإسلام، فاتح القسطنطينية، وبُشرى الرسول ﷺ، فكانت مثالاً للأم التي لا تكتفي بالتربية، بل تبني العظمة في أبنائها، وهذا ما نحتاجه في عصرنا: أماً تصنع القادة، وتُحيي فيهم الرسالة، وتُهيّئهم ليكونوا صنّاع تغيير لا أسرى واقع.
أم الإمام أحمد بن حنبل
وها هو ذا الإمام أحمد بن حنبل (العالم الجليل)، تُوفي والده وهو صغير، وعاش تحت رعاية أم صالحة تقية، وهي صفية بنت ميمونة، فكانت تحثه على الذهاب إلى المسجد وحلقات العلماء.
قال عنها الإمام أحمد -رحمه الله-: “كانت توقظني قبل صلاة الفجر، فتُحَمّي لي الماء، ثم تخرج معي إلى المسجد خوفاً عليَّ؛ لأن المسجد كان بعيداً عن داري، وكانت تنتظرني خارجه حتى أعود”.
وهكذا تعمل في حياتها بين تربية فلذة كبدها، والسير معه إلى حلقات العلم، مترقبةً إياه أن يصبح عالماً مهاباً، يَملأ الدنيا علماً وفقهاً.
ولم يُخيّب الله رجاءها فقد جنت ثمرة تلك التربية في حياتها، وأصبح ابنها الصغير إمام الدنيا وسيد العلماء، إنها الأم الصابرة الصالحة التي وقفت نفسها وحياتها لتربية ابنها على الدين، والأخلاق، وحب العلم.
أم الإمام سفيان الثوري
وهذه أم الإمام سفيان الثوري (إمام علم الحديث) الفقيه العابد الزاهد، فعن الإمام أحمد بن حنبل عن وكيع قال: قالت أم سفيان: “يا بُني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي”، فكانت تعمل وتقدّم له، ليتفرغ للعلم.
وكانت له الأم الواعظة التقية، قالت له ذات مرة: “يا بُني، إذا كتبتَ عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادةً في خشيتك، وحلمك، ووقارك؟ فإن لم ترَ ذلك، فاعلم أنها لا تضرّك ولا تنفعك”.
رسالة إلى شباب الأمة
إلى شباب الإسلام، شباب النهضة: هذه الأمثلة وضعتُها واخترتُها لكي نعلم (أنا وأنت) أن سعادة البيت تبدأ باختيار الزوجة الصالحة، لا بجمال زائل أو مال فانٍ، فالدين هو الأساس، وهو ما أوصى به نبينا ﷺ حين قال: “فاظفر بذات الدين ترِبت يداك”.
والمرأة الصالحة ليست مجرد رفيقة، بل هي أمّ القادة، وصانعة الأبطال، ومهندسة العقول، إن صلحت صلح البيت كله، وإن فسدت ضاع العمر والأثر، وليكن الميزان في الاختيار هو الدين، ثم الدين، ثم الدين.
فلا تنخدعوا بالمظاهر، وابحثوا عمّن تخاف الله، وتحفظكم في الغيب، وتكون لبنةَ صلاح في بيتكم وأولادكم، ولا تنظروا إلى ما يفنى، بل إلى ما يبقى.
خاتمة
وهكذا تبقى المرأة في الإسلام نواة الأسرة وروحها، وعماد التربية وأصل البناء، لم تُخلق لتملأ فراغاً، بل لتُؤنس وتربّي، وتغرس وتصلح، ولتكون سرّ الطمأنينة.
ولقد صدق الشاعر حين قال:
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها **** أعددت شعباً طيب الأعراقِ
فلتعلم كل امرأة أن مسؤوليتها ليست دوراً عابراً، بل أمانةً عظيمةً، ورسالةً سامية تُسأل عنها بين يدي الله، فالأسرة المتماسكة تبدأ بكِ، وبحكمتكِ وصبركِ، وبعطائكِ الذي يصنع الأجيال.
كوني الأم المدرسة، والزوجة الصالحة، والبنت البارّة، فبهذا تؤدين رسالتك في الحياة، وتعلو مكانتك في الدنيا، وتفوزين برضى الله في الآخرة.
الأسئلة الشائعة عن الأم في ضوء الإسلام
المرأة هي عمود البيت، تقوم برعاية الأسرة وتوفير الحب والاهتمام، وتساعد في تربية الأطفال وتنظيم الحياة اليومية.
تزرع القيم والسلوك الجيد، وتوفر بيئة آمنة ومحبة تساعد الطفل على النمو النفسي والاجتماعي.
الأم هي المصدر الأول للحب والتوجيه، يؤثر أسلوبها في تشكيل شخصية الطفل وقيمه طوال حياته.
الأم تركز على الحنان والرعاية اليومية، بينما الأب يقدم الدعم المادي والقدوة في تحمل المسؤوليات.
تعزز ثقته بنفسه وتساعده على التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، فتبني شخصيته الاجتماعية.
الصبر، الحنان، القدرة على الاستماع، والحزم عند الحاجة لتوجيه الأطفال بشكل صحيح.
يمنح الطفل شعوراً بالأمان، ويقوي الروابط العاطفية بينه وبين أمه، فيجد الطفل أمه مصدراً للأمان والطمأنينة.
تشجعه على المحاولة والتعلم من الخطأ، وتثني على نجاحه مهما كان صغيراً، وتغرس فيه أن كل طريق نجاح لا بد أن يكون فيه سقوط لكن يعقبه نهوض.
بالمثال الحسن، والحديث المستمر عن أهمية السلوك الجيد، وعندما تتمثل الأخلاق التي تقولها، فيأخذوا من حالها قبل مقالها.
الأم تؤثر على المجتمع بشكل كبير لأنها تربي الأجيال القادمة بالقيم والأخلاق، وهذا يساعد في بناء مجتمع قوي ومتماسك.
نعم، صحيح أن المرأة نصف المجتمع في العدد، لكنها أكثر من ذلك في التأثير؛ فبإمكانها التأثير سلباً أو إيجاباً على عادات وأخلاق كل أمة.
الكاتب : أ. محمود الخلف
شارك المقال مع اصدقـائك: