بر الوالدين والإحسان إليهما
إنّ موضوع (بر الوالدين) من الموضوعات التي لا بد من التذكير بها في كل وقت لما لهما من عظيم الحق على الأبناء، ولتأثير برهما وانعكاسه على حياة المسلم في الدنيا والآخرة؛ فمصير الولد يتعلق برضا الوالد؛ فإن سخط الوالدان خسر الولد دنياه وأخراه، وإن رضيا عليه رضي الله عنه، ووفقه، وكان من المفلحين في الدارين.
سجل معنا وابدأ تجربة تطبيق زلفى لتعلم القرآن واللغة العربية
نبعانِ ما نضبا ولم يتغيرا
سيّانِ أقبل واردٌ أم أدبرا
نبعا حنانٍ صادق ومودة
لولاهما صفو الحياة تكدرا
من كان يزعم أنه جازاكما
عن بعض ما قدمتما فقد افترى
معنى البرّ
البِرُّ لغةً: الصِّدقُ والطَّاعةُ والخيرُ والفَضلُ.
جاء في مختار الصحاح: الْبِرُّ ضِدُّ الْعُقُوقِ وَكَذَا (الْمَبَرَّةُ) تَقُولُ: (بَرِرْتُ) وَالِدِي بِالْكَسْرِ أَبَرُّهُ (بِرًّا) فَأَنَا (بَرٌّ) بِهِ وَ(بَارٌّ) وَجَمْعُ الْبَرِّ (أَبْرَارٌ) وَجَمْعُ (الْبَارِّ) بَرَرَةٌ وَفُلَانٌ (يَبَرُّ) خَالِقَهُ وَ(يَتَبَرَّرُهُ) أَيْ يُطِيعُهُ.
جاء في مفاتيح الغيب للرَّازيُّ: البِرُّ: اسمٌ جامعٌ للطَّاعاتِ وأعمالِ الخيرِ المُقَرِّبةِ إلى اللهِ تعالى.
البر شرعاً: الإحسان إلى الوالدين، والتعطُّف عليهما، والرفق بهما، والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وعدم أذيتهما بالقول أو الفعل، والإنفاق عليهما، وخدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، وشكرهما، والدعاء والاستغفار لهما، وغير ذلك مما أمر به الشرع.
اقرأ أكثر: تعلم التلاوة بإتقان ثم ابدأ بحفظ القرآن
الفرقُ بَينَ البِرِّ والإحسانِ
البِرُّ هو المبالغةُ في الإحسانِ، والتَّوسُّعُ فيه، فيقالُ: بَرَّ العبدُ رَبَّه، أي: توسَّع في طاعتِه، وبِرُّ الوالِدِ: التَّوسُّعُ في الإحسانِ إليه، وتحرِّي محابِّه، وتَوَقِّي مكارِهِه، والرِّفقُ به، وضِدُّه: العُقوقُ؛ لذا يُستعمَلُ البِرُّ في الصِّدقِ؛ لكونِه بعضَ الخيرِ المتوسَّعِ فيه. (التوقيف) للمناوي
أيهما أحقّ بالبرّ
إنّ لكلا الوالدين حقاً عظيماً على الأبناء، ولكن الأم حقها أعظم، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لما سئل قيل: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.
فبيّن -عليه الصلاة والسلام- أن أحق الناس بالبر والإحسان أمك ثلاث مرات ثم أبوك في الرابعة، وهذا يوجب للولد العناية بالوالدة أكثر والإحسان إليها أكمل، ثم الأب يليها بعد ذلك، فبرهما والإحسان إليهما جميعاً أمر مفترض، وحق الوالدة على الولد الذكر والأنثى أعظم وأكبر.
وقد جاءت تعليلات لبعض العلماء عن سبب كونها أحق بالبر من الأب؛ فمن ذلك أن تعبها على الولد أكثر؛ فهي حملته وهناً على وهن، وأرضعته، وربّته…، وقيل لأنها أضعف من الأب، وبالتالي العقوق إليها أسهل، والجرأة عليها أكبر، لذلك وصى الإسلام وحرص على تقديم برها على برّ الأب.
لأمــك حـــق لــو علمت كبــير
كثيـــرك يا هــذا لديه يسير
فكــم ليـــلة باتت بثقـلك تشتكي
لهـــا من جواهــا أنةٌ وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة
فمن غصص منها الفؤاد يطير
وكم مرة جاعت وأعطت قوتـها
حنــواً وإشفــاقًا وأنت صغير
فدونك فارغب في عميم دعائها
فأنت لمـــا تدعــو إلــيه فقـير
ولابد من التذكير بأن العم بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم، ويتوجب على المسلم برهما وطاعتهما والإحسان إليهما،
وجاء كون العم بمنزلة الأب في النص القرآني، قال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (133)البقرة
فقال أبناء يعقوب ليعقوب: { آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق}، ومن المعلوم بأن إسماعيل عليه السلام عمّ يعقوب، فكانت منزلته منزلة الأب.
وأما منزلة الخالة فقد جاء ذكرها في الحديث الشريف: قال عليه الصلاة والسلام: “الخالة بمنزلة الأم”.
ويُراعى البرّ من الأرحام بحسب القرب، فالأقرب يكون البرّ له أولى وأوجب.
أهمية بر الوالدين
الإحسان إلى الوالدين والبرّ بهما من أهم وأعظم الأعمال الصالحة، وهي طاعة مقرونة بزمن هو مدة حياة الوالدين تنتهي بوفاتهما، فلا بد من اغتنام فرصة حياتهما لأخذ البركة والدعاء والتوفيق والرضا… والمحروم من حرم نفسه وزهد في التقرب إليهما، وهناك أمور تدل على أهمية بر الوالدين منها:
- كثيراً ما يقرن الله -عز وجل- الأمر بطاعة الوالدين والإحسان لهما بعبادته؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]
وفي قوله: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]
وفي هذا الاقتران ما يدل على تعظيم شأن بر الوالدين، فعبادة الله من أولى العبادات، وطاعة الوالدين من أولى الأخلاق.
- أوجب الإسلام الإحسان إليهما وإن كانا مشركينِ؛ عسى أن تكون هذه المعاملة الطيبة سبباً في هدايتهما، ولكن لا نطيعهما في جزئية دفعنا إلى الشرك والكفر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفيما عدا ذلك لابد من الإحسان والطاعة والبرّ.
قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 15]
- رضا الوالدين سبب في رضا الله تعالى، فما أعظمها من غنيمة أن يفوز البار لوالديه برضا الله تعالى! وإذا رضي الله تعالى عن عبد من عباده أسعده في الدنيا والآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد” [رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم/ صحيح الترغيب للألباني.
- حتى فريضة الجهاد على عظم قدرها -إن كانت فرض كفاية- فحق الوالدين أعظم وأولى؛ فقد وروى الشيخان عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد، فقال: “أحيٌّ والداك؟”، قال: نعم قال: “ففيهما فجاهِدْ”. (البخاري مسلم)
- مِن أعظم بركات بر الوالدين أنه سبب في تفـريج الكربات وإجابة الدعوات؛ فقد روى البُخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عُمر بن الخطَّاب -رضِي الله عنْهُما- قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- يقول: “انطلق ثلاثةُ رهْطٍ ممَّن كان قبلكم، حتَّى أوَوا المبيتَ إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرتْ صخرةٌ من الجبل فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنَّه لا يُنجيكم من هذه الصَّخرة إلاَّ أن تدعوا الله بصالِح أعمالكم، فقال رجُل منهم: اللَّهُمَّ كان لي أبَوانِ شيْخان كبيران، وكنت لا أغْبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيءٍ يومًا فلم أرُح عليهما حتَّى ناما، فحلبتُ لهُما غبوقَهما فوجدتُهما نائمَين، وكرهت أن أغبقَ قبلَهما أهلًا أو مالًا، فلبثْتُ والقدح على يدي أنتظِر استيقاظَهُما حتَّى برق الفجْر، فاستيْقَظا فشرِبَا غبوقَهما، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتِغاء وجْهِك، ففرِّج عنَّا ما نحن فيه من هذه الصَّخرة، فانفرجت شيئًا”.
فانظر كيف كان البر سبباً في تفريج الكربة وانفراج الصخرة.
- إن طاعة الوالدين وتوقيرهما سبب لدخول الجنة، جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ”.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفَظْه”.
- إن بر الوالدين والإحسان لهما سبب لطول العمر وزيادة الرزق:
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ” أحمد، وصححه الأرناؤوط
فصلة الرحم بصفة عامة من أسباب سعة الرزق، ومن المعلوم أن أصحاب الرحم لا يربطهم بالمرء إلا والداه، فإذا كان الله جل وعلا جعل صلة الرحم من أسباب سعة الرزق فكيف ببر الوالدين؟!
- برُّ الوالدين يغفر الذنوب: إن بر الوالدين سبب لمغفرة الذنوب، فعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي، فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ عز وجل، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ، فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ. [الأدب المفرد للبخاري]
- بر الوالدين سبب لاستجابة الدعاء: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ” [أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ
صور بر الوالدين في حياتهما
إن طاعة الوالدين وبرهما يتجلى في القول الحسن، والفعل الحسن، وفيما يلي بعض الصور التي يتجلى فيها البرّ:
- طاعتهما في كل الأمور إلا فيما يخالف أوامر الله، وتلمس رضاهما، وتجنب الموضوعات التي تضايقهما.
وقد أشار بعض العلماء إلى أن إظهار المرض والتشكي وسوء الحال للوالدين ليس من البر والطاعة، لأن هذا مما يحزنهما، وربما كان إخفاء المرض أولى وأقرب إلى البرّ.
- التعامل معهما بخضوع وتقدير وتوقير.
- الاستماع لهما وإيناسهما بالحوار وعدم الانشغال عنهما بوسائل التواصل.
- استشارتهما وتقدير رأيهما والأخذ بنصيحتهما رفعاً لقدرهما وتوقيراً لهما.
- إظهار الاهتمام بهما والسؤال عن أوضاعهما وتفقد أحوالهما والاطمئنان عن صحتهما.
- كثرة التردد لزيارتهما، والحرص الشديد على خدمتهما.
- إظهار الشفقة عليهما، والنظر إلى وجههما باهتمام خاصة عند مرضهما وضعفهما، قال تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}[الإسراء:23]
- تحسين أحوالهما ومساعدتهما في كافة شؤونهما وتلبية احتياجاتهما، وإظهار الاهتمام بهما والسهر على راحتهما وعدم التضجر منهما.
- الصبر على الوالدين في حال كانا شديدي العصبية و ضيقي الصدر، والابتسام في وجههما، ومراعاة تغير أخلاقهما عند بلوغهما أرذل العمر.
- الدعاء لهما بطول العمر والصحة والسعادة وإظهار البشاشة عند رؤيتهما والاستغفار لهما.
- مفأجاتهما بما يسعدهما كشراء بعض الهدايا والأطعمة الصحية، وأخذهما للتجول والتنزه والتفرغ لإسعادهما وقضاء وقت طيب معهما.
- الاطمئنان على صحتهما في حال المرض، وأخذهما للعلاج وشراء الأدوية، وإظهار الاهتمام بهما، وتوفير كل ما يلزمهما للشفاء والتعافي.
- أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر والنصح لهما برفق ودون تعالٍ في حال تقصيرهما في العبادات والطاعات؛ كتأخير الصلاة وعدم وجود الهمة لأداة الزكاة أو الحج أو الغيبة والنميمة وسوء الظن… وتعليمهما القرآن والصلاة والدعاء إن كانا يجهلان، ومساعدتهما على زيادة التقوى والإيمان والعمل الصالح خاصة عند المرض واقتراب الأجل.
بر الوالدين بعد الموت
إن بر الوالدين طاعة مقرونة بزمن وهو مدة حياتهما، وطاعتهما في حياتهما أولى وأوجب وأكثر نفعاً وأكثر بركةً، ومن رحمة الإسلام أنه أعطى المسلم فرصة لتلافي نقص البر والإحسان للوالدين في حياتهما، فجعل بالإمكان برهما بعد الموت، وفي هذا زيادة برّ البار، وتلافي نقص المقصر والعاقّ، ولذلك البر صور كثيرة وردت في بعض الاحاديث، ومنها:
- سئل النبي ﷺ عن حق الوالدين بعد وفاتهما فقال له سائل: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد وفاتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما.
ذكر خمسة أشياء:
الأولى: الصلاة عليهما (الدعاء)؛ ومن ذلك صلاة الجنازة فإنها دعاء، والصلاة عليهما بالدعاء والترحم عليهما من أحق الحق ومن أفضل البر في الحياة والموت؛
قال -صلى الله عليه وسلم-: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: وذكر منها: ولد صالح يدعو له. رواه مسلم.
والثانية: الاستغفار لهما، يعني: سؤال الله أن يغفر لهما سيئاتهما هذا أيضاً من برهما حيين وميتين.
والخصلة الثالثة: إنفاذ عهدهما من بعدهما، الوصية التي يوصيان بها، فالواجب على الولد ذكراً كان أو أنثى إنفاذها إذا كانت موافقة للشرع.
والخصلة الرابعة: إكرام صديقهما إذا كان لهما أصدقاء وأحباب وأقارب نحسن إليهم بالكلام الطيب والفعل الطيب الحميد، وجميع أنواع الخير على قدر الاستطاعة، فهذا من برهما بعد وفاتهما.
والخصلة الخامسة: صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وذلك بالإحسان إلى الأعمام والأقارب من جهة الأب، وإلى الأخوال والخالات من أقارب الأم، هذا من الإحسان إلى الوالدين وبر الوالدين وإكرامهم.
- ومن بر الوالدين بعد وفاتهما التصدق عنهما؛ وأفضل الصدقة سقيا الماء، كما ورد في حديث سعد بن عبادة -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء.
- إن البر لا يقتصر نفعه على الأبوين في حياتهما فقط، بل يتعدى لأصدقائهما وأحبائهما بعد موتهما؛ وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن من أبر البر، أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي”، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن عمر رضي اللّه عنهما، كانَ قد خرَجَ مُسافراً مِن المدينةِ إلى مكَّةَ، وكان له حمارٌ (يَتَروَّحُ عَلَيْه)، أي: يَستريحُ عَلَيْه إذا ضَجِرَ مِن رُكوبِ الرَّاحلة وهي المرْكَبُ مِنَ الإبلِ، وكان له أيضاً عِمامةٌ يُغطِّي بها رأْسَه، فبيْنما هو يومًا يَركَبُ على ذلك الحِمارِ؛ إذ مَرَّ به رجُلٌ أعرابيٌّ -وهو الَّذي يَسكُنُ الصَّحراءَ مِن العربِ-، فسَأل ابنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما الرَّجلَ الأعرابيَّ: “ألسْتَ فلانَ بنَ فلانٍ؟” يَقصِدُ به رجُلًا كان يَعرِفُه، فَقالَ الأعرابيُّ: “بَلى”، فلمَّا عَرَفه ابنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أهْداه الحِمارَ لِيَركَبَه، وَأعطاهُ العِمامةَ، وأمَرَه أنْ يَتعمَّمَ بها، فأنكَرَ بعضُ أصحابِ ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما عليه ما فَعَل، وكيْف أهْدى الرَّجلُ أشياءَ كان يَحتاجُها ابنُ عُمرَ ويَستعمِلُها، وفي رِوايةٍ أُخرى عندَ مُسْلمٍ قالوا له: “إنَّهم الأعرابُ، وإنَّهم يَرْضَون باليسيرِ” أي: كان يَكفيهِ أقلُّ ممَّا أعْطَيْتَه، وإنَّ ما أعْطَيْتَه كثيرٌ، فأخبَرَهم ابنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: “إنَّ مِن أبرِّ البرِّ” يعني: أعظَمُ أنواعِ البِرِّ وأفضلِه وأكثَرُه أجْرًا “صلَةَ الرَّجلِ” أي: إعطاءَ الرَّجلِ جائزةً وعَطيَّةً لأهلِ وُدِّ أبيهِ، وهُم أهلُ مَحبَّةِ أبيهِ وصَداقتِه، بعْدَ أنْ “يُولِّيَ” وهو كِنايةٌ عن الموتِ، وإنَّما كانت الوصيَّةُ بأولياءِ الوالدِ بعْدَ مَوتِه أبَرَّ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى كَسبِ الدُّعاءِ له وبَقاءِ المودَّةِ، وفيه إشارةٌ إلى تَأكيدِ حقِّ الأبِ.
صور من بر الأنبياء والصالحين آباءهم
امتدح الله سبحانه وتعالى بعض رسله عليهم السلام على برهم بوالديهم، فنبي الله إسماعيل كان صابراً محتسباً مرضياً لربه باراً بوالده، وقد صور القرآن هذه الطاعة والبر أحسن تصويرد، وذلك باستجابته لأمر الله بذبح والده له مستسلماً راضياً.
قال تعالى: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} الصافات 102
ولا ننسى خطاب سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه وتلطفه به واستغفاره له وصبره على أذاه، ومناداته له: (يا أبتِ) على سبيل التوقير والتعظيم.
وكذلك نبي الله يحيى عليه السلام، قال عنه الله تعالى: {وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيّا} فنبي الله كان كثير الطاعة متجنباً العقوق قولاً وفعلاً، فأثنى الله عليه بأعظم الخصال، وامتدحه بتقواه وبره بوالديه.
وكذلك نبي الله عيسى -عليه السلام- إذ قال: {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا}
ويوسف -عليه السلام- الذي أحسن القول ولم يحزن والديه بذكر ما فعله أخوته به من إلقائه في الجب، ولم يذكر معاناته مع امرأة العزيز واتهامها له، ولم يذكر طول مكثه ومعاناته في السجن، بل اختصر وأوجز وذكر الحَسَن ووارى عن القبيح المحزن؛ قال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (100) يوسف
أما عن ذكر بر الصالحين آباءهم فقد جاء ذكر الكثير من الأمثلة عنها في كتاب (البر والصلة) لابن الجوزي، قال:
رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: “كَانَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَرَّ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأُمِّهِمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَأَمَّا عُثْمَانُ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قَدَرْتُ أَنْ أَتَأَمَّلَ أُمِّي مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَأَمَّا حَارِثَةُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَفْلِي رَأْسَ أُمِّهِ، وَيُطْعِمُهَا بِيَدِهِ، وَلَمْ يَسْتَفْهِمُهَا كَلَامًا قَطُّ تَأْمُرُ بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهَا بَعْدُ أَنْ يَخْرُجَ، مَاذَا قَالَتْ أُمِّي؟”.
وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ: أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ كَانَ بِرُّهُ؟ قَالَ: مَا مَشَى مَعِي نَهَارًا قَطُّ إِلَّا كَانَ خَلْفِي، وَلَا لَيْلًا إِلَّا كَانَ أَمَامِي، وَلَا رَقَى عَلَى سَطْحٍ أَنَا تَحْتَهُ.
وعَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يَقُولُ: “كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا يَأْكُلُ مَعَ أُمِّهِ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ آكُلَ مَعَهَا فَتَسْبِقُ عَيْنُهَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ، وَأَنَا لَا أَعْلَمُ بِهِ فَآكُلَهُ، فَأَكُونُ قَدْ عَقَقْتُهَا”.
وقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: “قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ سَفَرٍ فَصَادَفَ أُمَّهُ قَائِمَةً تُصَلِّي، فَكَرِهَ أَنْ يَقْعُدَ وَهِيَ قَائِمَةٌ، فَعَلِمَتْ مَا أَرَادَ، فَطَوَّلَتْ لِيُؤْجَرَ”.
وقديماً قالت العرب في أمثالها:
(أبرُّ من العَمَلَّسِ) والعملس هذا رجل كان برًّا بأمه، وكان يحملها على عاتقه.
خاتمة
إن بر الوالدين طاعة عظيمة وخلق كريم به تنال الراحة، ويشعر المرء بالطمأنينة والأنس عندما يؤدي بعضًا من حقهما عليه وإحسانهما إليه، فلنبادر باغتنام أيام العمر لكسب رضاهما والتقرب لهما، ولنراجع تصرفاتنا وأقوالنا معهما، ولْنُلِن لهما القول ونخفض لهما جناح الذل من الرحمة، ولْنقل: {رب ارحمهما كما ربياني صغيراً}
الأسئلة الشائعة عن بر الوالدين والإحسان إليهما
الدعاء له والاستغفار له، والصدقة عنه، وصلة الأقارب التي لا توصل إلا به، وإكرام أصدقائه ومن يحبّ.
بر الوالدين من حسن الإسلام وكمال الإيمان، وفيه طاعة لله وطاعة لرسوله، وهو طريق إلى الجنة، وطريق إلى البركة في العمر، ورفع الذكر، والتوفيق والسداد والفلاح في الدارين.
إن كانت المجادلة في حدود الأدب بقصد النصيحة والإصلاح فلا حرج، أما إذا كان فيها نوع من تجاوز الأدب وعلى وجه قد يؤذي الوالدين ويغضبهما فهذا نوع من العقوق.
خدمة الوالدين واجبة على الجميع، ولكن المرأة إذا منعها زوجها من خدمتهما فحق الزوج مقدم، وتستعيض عن ذلك باستئجار خادمة أو المشاركة في أجرتها إن كان لها مال، وأما إذا لم يمنعها زوجها فالخدمة واجبة عليها مع إخوتها.
لا حرج في ذلك إذا اعتمر المسلم لنفسه وأحب أن يعتمر لأمه وأبيه إذا كانا ميتين أو كانا عاجزين لكبر سنهما أو لمرضهما الذي لا يرجى برؤه، والعمرة عنهما والحج عنهما من البرّ.
يجب التنبيه أن المزاح مع الأبوين يحتاج إلى أدب وتقدير لمكانتهما؛ إذ لو خرج عن ذلك كان حراماً لأنه يدخل في باب العقوق، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: {فلا تقل لهما أف}
عليه بالتوبة والندم على ذلك، ويكثر الدعاء لوالديه، ويقوم بالأعمال الصالحة التي يلحقهما ثوابها كالصدقة والحج والعمرة…، وإن تركا ديوناً وأمانات فعليه أداؤها، وإكرام أصدقائهما وخلانهما.
الكاتبة : آ. هيفاء العلي
شارك المقال مع اصدقـائك: