تعلم التلاوة بإتقان ثم ابدأ بحفظ القرآن
تلَقَّت الأمّة كتاب ربها -تبارك وتعالى- عن نبيّها -عليه الصلاة والسلام- والنبيّ عن جبريل، وجبريل عن رب العالمين، وقد وصل القرآنُ الكريم إلينا منطوقاً بالنقل الصوتي والمشافهة فضلاً عن كونه مكتوباً مدوَّناً في المصاحف، وفي هذا إشارة إلى أهمية تلقي القرآن أداءً بقراءة صحيحة قبل البدء بأي شيء من حفظٍ وتفسيرٍ ونحو ذلك، وهذا كان منهج السلف والصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم.
سجل معنا وابدأ تجربة تطبيق زلفى لتعلم القرآن واللغة العربية
أهمية تعلم تلاوة القرآن الكريم قبل الشروع بحفظه
ربما يأخذ الطلابَ إسراعُهم لختم القرآن الكريم إلى أن يبدؤوا بالحفظ دون ضبط الألفاظ، وتحسين القراءة، وهذا التوجه بحسب التجارب والتوجيهات العلمية وأساليب الأولين من الصحابة والسلف وغيرهم لا يصح، لما يترتب عليه من طوامَّ كبيرةٍ أبرزها ترسيخ التلاوة الخاطئة في الذهن التي يعسر جداً تصحيحها فيما بعد، ويحسُن هنا أن نتذكر أن الله تعالى قال آمراً: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، وقد سُئل علي -رضي الله عنه- عن معنى قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} فقال: “الترتيل تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف”،
وهذا لا يمكن إلا بالتلقي والمشافهة للقرآن الكريم، لذا يمكننا أن نوقن أن تصحيح تلاوة ألفاظ القرآن الكريم وتعلَّم تجويده من الأهمية بمكان، فليس بوسع الأمة كلِّها أن تحفظ القرآن غيباً، إذ ليس ذلك بفرضِ عينٍ عليها، لكنّ تصحيح التلاوة فرضُ عين؛ إذ إنه متعبِّد بالتلاوة أولاً، ومن لم يضبط قراءتَه كيف تصح تلاوتُه؟ بل كيف تصح عبادته؟ لأنه قد يقلب المعاني ويحوِّلها عن وجهها الصحيح فيَصِل به لحنُه أن يرى في القرآن باطلاً وكفراً من خلال تغيير حرف أو حركة أو قراءة خاطئة أو نحو ذلك…
قال الإمام ابن الجزري -رحمه الله تعالى- يبيّن أهمية التجويد في بدء منظومته (المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يَعلَمه):
إذْ وَاجِـبٌ عَلَـيْـهِـمُ مُحَـتّــمُ
قَـبْـلَ الشُـرُوعِ أَوَّلاً أَنْ يَعْلـَمُوا
مَـخَارِجَ الْحُـرُوفِ وَالـصِّـفَاتِ
لِـيَـلْفِـظُوا بِأَفْـصَــحِ اللُغَـاتِ
مُحَررِي التَّـجْـوِيـدِ وَالمَوَاقِـف
وَما الَّـذِي رُسّـمَ في المَصـاحِـفِ
مِنْ كُـلِّ مَقْطُوعٍ وَمَوْصـُولٍ بِـهَا
وَتَـاءِ أُنْـثَى لَمْ تَـكُنْ تُكْتَـبْ بِها
ثم قال -رحمه الله تعالى- في الختام:
أَبْيَاتُهَا قَافٌ وَزَاىٌ فِي الْعَدَدْ
مِنْ يُحْسِنِ التَّجْوِيدَ يَظْفَرْ بِالرَّشَدْ
فنبّه على أهمية ضبط القرآن وتجويده بدءاً ومختَتَماً، وهذا إن دل على شيء فعلى منزلة هذا العلم ومكانته وحاجة طالب القرآن إليه.
أثر ضبط التلاوة في حفظ القرآن
مما لا يَخفى أن ضبط ألفاظ القرآن هو الحجر الأساس في مشوار طالب القرآن الذي يبني عليه حفظه، لأنه إذا بدأ بالقراءة الصحيحة السليمة الخالية من الأخطاء والعيوب فإن الأداء يترسخ في ذهنه، وينطبع في قلبه، ويتقوّم به لسانه كي لا يلحن، وإذا أراد أن يحفظ سهُل عليه الأمر بخلاف ما لو بدأ بالحفظ أولاً، لأنه لو فعل لكان يتعثر بين اللفظ واللفظ، فلا يكاد يحفظ صحِيفة إلا وصُعق بكمية الأخطاء المتعلقة بذات الكلمة لا في ضبط الحفظ، وهنا يتأخر مشواره كثيراً عن إتمام الحفظ الغيبي لكتاب الله تعالى، ثم إن التدرج في التعليم لَيُسهِّلُ على الطالب كثيراً من الصعوبات؛
فالقراءة نظراً من المصحف أسهلُ على نفس الطالب من المباشرة بالحفظ غيباً، لأنه إذا طولب بالحفظ مباشرة ثقل ذلك عليه وربما ترك القرآن، لكن حين يتدرج في سلَّم التعلم القرآني بدءاً من تصحيح التلاوة يحفظ ما يقارب ٢٥% من كلمات القرآن ويبقى عليه ٧٥% يبذلها في الحفظ عن ظهر قلب، وهنا يكون قد اعتاد على القرآن فخالط لحمَه ودمَه، وصار جزءاً منه من خلال التدرج في تعليمه، حينها يمكن أن يباشر بالحفظ ويمضي فيه وهو متين الأساس، سريع الخطوات.
أهمية التلقي عن شيخ، وأثره على التصحيح والتحسين
لا بد لطالب القرآن أن يأخذ عن شيخ متقن للقرآن، عارفٍ بقواعد قراءته الصحيحة وأدائه السليم، لكي يضبط له القراءة، ويصحح له الأخطاء، ويحسّن له الأداء، وينبهه إلى ما يغيب عنه ويجهله، لذا يجب أن يتخير المعلم العارف بالقرآن حتى يتعلم بشكل صحيح، وإنِ اتخذ معلماً جاهلاً انقلب ذلك عليه؛ لأن الطالب صورة شيخه، وفي الطالب تذوب علومه ومعارفه،
وقد تخير النبي ﷺ للصحابة المعلم الثقة لكي يأخذوا القرآن عنه؛ روى أحمد والبخاري والترمذي عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرو -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ”، وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي اللّٰه عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ”؛ أي: عبد اللّٰه بن مسعود رضي الله عنه.
وذكر العلماء صفات المعلم الذي يؤخذ عنه القرآن منبّهين على كونه ضابطاً صحيح التلاوة؛ قال الإمام مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه الرعاية:
(يجب على طالب القرآن أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه أهلَ الديانة والصيانة والفهم في علوم القرآن والنفاذ في علم العربية والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم.
فإذا اجتمع للمقري صحة الدين، والسلامة في النقل والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علوم العربية والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن كملت حالُه وَوَجَبَتْ إمامته)، وقد وصف من تَقَدَّمنا من القراء فقال:
“القرّاء يتفاضلون في العلم بالتجويد”
ثم إن العلماء حذروا من أخذ هذا الكتاب العظيم عن الذي يكون معدومَ الضبط، غيرَ متقن التلاوة، المستقلِّ بأخذه من الصحف فقط، روی ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن سعيد بن عبد العزيز قال: “لا تأخذوا العلم عن صُحُفِي ولا القرآن من مُصْحَفِيّ”.
العلاقة بين ضبط القرآن والتجويد، وحكم تعلمه، وأبوابه
علم التجويد هو سبيل الإتقان، وهو الطريق لضبط تلاوة المصحف الشريف؛ لأنه القواعد التي يستند إليها القارئ في التلاوة، فيعرف من خلاله مواضع المد أو القصر والوقف والابتداء ومخارج الحروف وصفاتها وسائر الأحكام التي تصير بها القراءة صحيحة ونحو ذلك…، وينقسم حكم تعلمه إلى قسمين:
- عِلْمُ التَّجْوِيدِ النَّظَرِي: أَيْ مَعْرِفَةُ قَوَاعِدِهِ وَأَحْكَامِهِ نَظَرِيَّاً، فهذا حُكْمُهُ فَرْضٌ كِفَايَةٍ عَلَى الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ، أي إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع.
- التَّجْوِيدُ العَمَلِيُّ: وهُوَ نُطْقُ القُرْآنِ الكَرِيمِ النُّطْقَ الصَّحِيحَ كَمَا نَطَقَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَهَذَا حُكْمُهُ فَرْضٌ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِقَدْرِ ما يَسْتَطِيعُ وَذَلِكَ لِقوله تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}
أبواب علم التجويد
- مخارج الحروف العربية.
- الصفات الذاتية للحروف.
- الصفات العرَضيّة وأهمها:
- إدغام الحرفين المتماثلين والمتجانسين.
- أحكام اللام الشمسية والقمرية.
- أحكام الميم الساكنة.
- أحكام النون الساكنة والتنوين.
- أحكام المد والقصر.
- أحكام الوقف والابتداء.
أهمية المنصات والتقنيات في تعلم تلاوة القرآن الكريم
في عصر انتشار التكنولوجيا الحديثة والأجهزة والحواسيب، وتوفُّر المنصات التعليمية في سائر المجالات -لا سيما القرآن الكريم- بات تعلُّم ضبط تلاوة القرآن -فضلاً عن حفظه- سهلاً ميسراً، على عكس السابق؛ إذ كانوا في قديم الزمان لا يجِدُون هذه الوسائل ولا المنصات، ولا سبيلَ لتعلم القرآن إلا إذا وُجد مُجازٌ في إحدى الأماكن القريبة، فحينها يتوافد المتعلِّمون إليه من كل حَدَب وصَوب، وربما لا يجدون دَوراً للوصول إلى ذلك الشيخ إلا بعد أيام أو أسابيع، وبوقت قليل، نظراً لندرة المجازين وكثافة الوافدين إليه، وإن لم يتوفر في مكان قريب فالناس مضطرون إلى الانتقال إلى حيث يجدون مَن يقرئهم، متكلِّفين عناء المشقة والسفر والتنقل…
أما الآن أصبحت التقنيات الحديثة توفر لنا إمكانية القراءة عن بُعد، ومِن أي مكان في العالم بضغطة زر، وهذه المنصات لها ميزاتها، وتقوم على أُسس متينة، وخطط مدروسة، ومناهج قيمة، كل ذلك بالإضافة إلى مساهمتها في التعليم المستمر على الرغم من الانشغال وضيق الوقت، وتتيح تعليماً في مجال القرآن الكريم للمسلمين الناطقين بغير العربية من بلاد الأجانب، مع مراعاتها للمستويات والفروق الفردية؛ إذ إنها تعطي كل متعلم ما يناسب مستواه وقدراته، وهذا يعد قفزة نوعية في تطور التعليم وآلياته في العصر الحديث.
والذي يريد أن يستفيد من هذه الميزات الحديثة التي تتيح تعليم القرآن الكريم وعلوم العربية بكفاءة وفاعلية عن بُعد ما عليه سوى التواصل مع (زلفى) عبر معرفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر تطبيقها على متجر Google Play أو App Store.
خطوات ونصائح عملية لمن يريد أن يبدأ بتعلم ضبط تلاوة القرآن
- تعلم التجويد النظري عبر حضور دورة تعليمية، أو الاستفادة من منصات على الإنترنت مثل (زلفى)، وقراءة كتب للمبتدئين مثل كتاب: (تيسير أحكام التجويد للمبتدئين)، وهو سلس جداً بطريقة سؤال وجواب للدكتور يحيى الغوثاني.
- الاستماع المتكرر للقرَّاء المتقنين المشهود لهم كالحصري والمنشاوي وغيرهم ممن يهتمون بالضبط أكثر من التنغيم وجمال الصوت والتطريب.
- تخصيص وِرْد قراءة يومي على قارئ مجاز أو متقن لتصحيح الأداء وتلافي الأخطاء.
- التحضير الجيد، والقراءة الفردية قبل العرض على الشيخ.
- محاولة فهم الآيات المراد تحضيرها أو تسميعها مما يخفف من صعوبة التحضير.
خاتمة
مما سبق يتبين أن من أراد أن يركب طريق أهل القرآن ويلتحق بقوافله فعليه أن يبدأ بالأصول والأركان الأساسية، بدءاً من تصحيح التلاوة وضبطها، فيعين ذلك على فهم الآيات، وتجنب ترسيخ الأخطاء في الذهن، وتقليل الجهد في تصحيحها مستقبلاً، ليكون هذا البدء على الطريقة الصحيحة وفق التجارب والأساليب العلمية والحفظية السديدة، وانتهاءً بحفظ القرآن الكريم والحصول على الإجازة.
الأسئلة الشائعة عن تعلم التلاوة بإتقان ثم ابدأ بحفظ القرآن
المقصود به ضبط تلاوة الألفاظ، وسلامة الأداء، والقراءة الصحيحة قبل البدء بحفظ القرآن الغيبي.
لأن القراءة المتْقَنة تساعد على: تثبيت القراءة الصحيحة في الذهن – الفهم الصحيح للآيات – سهولة الحفظ عند البدء به، وتقليل الجهد.
من خلال مستوى أدائها وفق قواعد التجويد وعرضها على القراء المتقنين.
التجويد هو سبيل إتقان التلاوة، وبالتالي يتوافق تعلم التجويد مع ضبط التلاوة.
نعم، لأن القرآن طريقه التلقي والمشافهة، وإن كانت الأحكام النظرية في بطون الكتب فإن ذلك لا يعني الاستغناء عن المعلم الذي يوضح تلك الأحكام، ويشرح طريقة تطبيقها وأدائها.
(تيسير أحكام التجويد) من أفضل الكتب للمبتدئين، ويمكن الاستعانة بتطبيق زلفى من خلال تحميله من متجري Google و Apple
ذلك يرجع إلى نشاط الطالب، والخطة التعليمية التي يخضع لها، والآلية التي يسير فيها.
نعم يمكن من خلال الاستعانة بالتطبيقات والمنصات المختصة مثل: (منصة زلفى لتعليم القرآن الكريم وعلوم العربية).
هي أكثر من أن تُحصر، وقد أُلِّفت منظومات خاصة في هذا المجال، ولكن من أكثر ما شاع في ظل مواقع التواصل: التطريب والتحزين والمبالغة في الغنن والمدود من أجل تحسين الصوت (القراءة من الأنف)، والترعيد، والترقيص، وغيرها…
إن القرآن نزل بالحرف العربي، وأحكام قراءته متصلة بحرفه ولغته بشكل وثيق، لذا يكون تعلم العربية أول الأركان الأساسية.
لا، بَيد أن التّعلم من الصغر كالنقش على الحجر.
حُسن التلاوة -بما فيه الصوت الجميل- يساعد على فهم الآيات، وبدورها تساعد على استحضار القلب فخشوعه.
وضّح ذلك الدكتور أيمن رشدي سويد، فقال: التحقيق: هو البطء في التلاوة من غير تمطيط – التدوير: هو التوسط في سرعة التلاوة – الحدر: هو السرعة في التلاوة من غير دمج للحروف.
البدء بتعلم الأحكام النظرية والتركيز على تطبيقها، والمِران المستمر عليها إلى حين الانتهاء منها، ثم الشروع بختمة ضبط، ثم بعد التحقق من سلامة الأداء والقراءة الصحيحة الشروعُ بالحفظ الغيبي.
نعم، أسهل بكثير؛ لأن التلاوة تُرسِّخ ٢٥% من كلمات القرآن الكريم في الذهن.
يرجع ذلك إلى الخطة المتَّبعة، وهمّة الحافظ.
عادةً يبدأ الصغار بحفظ السور القرآنية القصيرة من جزء عم، ثم جزء تبارك، وبعد ذلك يتوجهون إلى سورة البقرة وفق الترتيب القرآني، أما الكبار فالأفضل أن يبدؤوا من سورة البقرة ويكملوا على الترتيب.
أوقات السحر وبعد الفجر هي صفوة الأوقات وخيرها للحفظ بشكل عام، وحفظ القرآن بشكل خاص.
من خلال وضع خطة مراجعة محكَمة، واتباع النظام الثنائي.
نعم.
بتخصيص أوقات معيّنة مع برنامج الحفظ من أجل تدبر ما حُفظ من القرآن.
المراجعة الثنائية المستمرة، والدخول في مسابقات قرآنية، بالإضافة إلى البعد عن المعاصي والثبات على القرآن والحذر من تفلته.
الكاتب : أ. بشار حمو
شارك المقال مع اصدقـائك: