جمع القرآن وكتابته
نزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى (بيت العزة) في السماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك منجّماً؛ أي: مُفرَّقاً على ثلاث وعشرين سنةً بحسب الوقائع والأحداث بواسطة جبريل -عليه السلام- الذي كان ينزله على قلب النبي -عليه الصلاة والسلام- إما:
أ- تعليقاً على حادثةٍ، أو بياناً لحكم، أو إجابة عن سؤال.
ب- وإما على سبيل التشريع دون أن يتوقف نزوله على سبب.
سجل معنا وابدأ تجربة تطبيق زلفى لتعلم القرآن واللغة العربية
مراحل جمع القرآن الكريم
يُطلق مصطلح (جمع القرآن) ويراد به معنيان:
جمعه في الصدور، بمعنى حفظه واستظهاره
أ- في صدر النبيﷺ:
حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على حفظ القرآن ومراجعته وعدم تفَلّتِه منذ نزوله عليه في غار حراء، ولذلك أنزل اللّٰه تعالى تطميناً له قوله: ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦۤ ١٦ إِنَّ عَلَیۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧ فَإِذَا قَرَأۡنَـٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَیۡنَا بَیَانَهُۥ ١٩﴾ [القيامة: 16- 19]
وكان جبريل -عليه السلام- يعارضه القرآن في كل عام مرة في شهر رمضان، وفي العام الأخير من حياته -عليه الصلاة والسلام- عارضه إياه مرتين، فكان ذلك جمعاً للقرآن الكريم في صدر النبي ﷺ.
ب- في صدر الصحابة:
تلقى الصحابة القرآن الكريم من النبي -عليه الصلاة والسلام- تلقّيَ الماء البارد على الظمأ، وأخذوه عنه مشافهةً وأَولَوه أهمية بالغةً، حفظاً وفهماً وتلاوةً وعملاً.
جاء في المدخل لدراسة القرآن الكريم: وأما الصحابة -رضوان الله عليهم- فقد جعلوا القرآن في المحل الأول، يتنافسون في حفظ لفظه، ويتسابقون في فهم معناه، وجعلوه مسلاتهم في فراغهم، ومتعبّدهم في ليلهم، حتى لقد كان يُسمع لهم بقراءته دوَي كدَوِيّ النحل؛ قال تعالى: ﴿كَانُوا۟ قَلِیلࣰا مِّنَ ٱلَّیۡلِ مَا یَهۡجَعُونَ١٧ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ یَسۡتَغۡفِرُونَ١٨﴾ [الذاريات: 17-18]
ولقد وصفهم واصف فقال: “كانوا رهباناً بالليل فرساناً بالنهار ، وكان اعتمادهم في الحفظ على التلقي والسماع من الرسول ﷺ، أو ممن تلقاه من الصحابة من الرسول ﷺ، وما كانوا يعتمدون في حفظه على النقل من الصحف والسطور؛ لأن الاعتماد في حفظ القرآن على الصحف والمكتوب يفوِّت على القارئ ركناً مهماً من أركان أداء القرآن الكريم على وجهه الصحيح، وهو علم التجويد”.
ومن الجدير بالذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى جانب اهتمامه بتحفيظ الصحابة للقرآن كان يولي اهتماماً كبيراً لكتابته، فقد خصص كُتّاباً يملي عليهم ما يوحى إليه حالة حضور الوحي وهم يُسَطّرون؛ أخرج النسائي في سننه عن عثمان -رضي الله عنه-: “أن رسول الله ﷺ كان إذا نزَل عليه الشيء يدعو بعضَ مَن يَكتب عنده فيقول: “ضعوا هذه في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا”، وتنزل عليه الآيات، فيقول: “ضعوا هذه الآياتِ في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا”.
وروى الطبراني أن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: “كنتُ أكْتُبُ الْوَحْيَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُمْلِي عَلَيَّ، فَإِذَا فَرَغْتُ قَالَ: اقرأ، فَأَقْرَؤُهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ سَقْطٌ أَقَامَهُ، ثُمَّ أَخْرُجُ بِهِ إِلَى النَّاسِ”.
وكُتّاب الوحي جماعةٌ منهم: الخلفاء الأربعة، وأبان وخالد ابنا سعيد بن العاص، وخالد بن الوليد وغيرهم، وقد اشتهر منهم في ذلك:
معاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت وأُبَي بن كعب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وخلاصة القول: لم ينتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا والقرآن كله مُدونٌ مكتوبٌ بين يديه، لكنه ليس مجموعاً في مكان واحد وذلك لسببين:
- الأول: احتمالية وقوع النسخ ما دام الوحي ينزل.
- الثاني: عدم اعتماد ترتيب الآيات والسور على ترتيب نزولها.
اقرأ أكثر: قراءة القرآن الكريم بالمقامات الصوتية
جمعه في صحائف واستنساخه
وهذا يشمل:
- جمع أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه.
- جمع عثمان بن عفان رضي اللّٰه عنه.
الجمع الأول: جمع أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه
بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى ارتدت كثير من القبائل العربية عن الإسلام، وأخذ أبو بكر -رضي اللّٰه عنه- على عاتقه أن يحاربهم حتى يرجعوا إلى حظيرة الإسلام، فلما كان يوم اليمامة -وهي إحدى معارك الردة- قُتل كثيرٌ من قراء القرآن وحفّاظه، فشكَّل مقتلهم خطراً كبيراً على القرآن الأمر الذي أفزع عمر بن الخطاب ودفعه إلى فكرة جمع القرآن في مصحف واحد؛
روى البخاري والترمذي -واللفظ له- أنّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ -رضي اللّٰه عنه- قَالَ: “بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ -رضي الله عنه- مَقْتَلَ أَهْل اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَدْ أَتَانِي فَقَالَ: “إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ يَوْمَ اليَمَامَةِ، وَإِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ”، فقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ؟
فَقَالَ عُمَرُ: “هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ”، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرِ:
“إِنَّكَ شَابٌّ عَاقِل لَا نتهِمُكَ، قَدْ كُنْتُ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ الوَحْيَ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ” قال: “فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ” قَالَ: “قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فقال أبو بَكْرٍ: “هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ”، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَهُمَا: صَدرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدتُّ آخِرَ سُورَةِ بَرَاءَةٌ مَعَ الحارث أبي خزيمة الأنصاري
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}
قال أبو بكر لعمر وزيد -وهما لجنة الجمع الأول-: “اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه”.
قال ابن حجر: “المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة”، وقال السخاوي: “المراد رجلان عدلان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ”.
ميزات جمع أبي بكر والباعث عليه
إن الباعث الرئيس على جمع أبي بكر -رضي اللّٰه عنه- للقرآن هو خشية ضياع القرآن أو شيء منه بسبب كثرة القتلى من الصحابة في حروب الردة، ويميز هذا الجمع أمور:
- أنه جُمع بأدق وجوه البحث والتحري.
- أنه اقتُصر فيه على ما لم تُنسخ تلاوته.
- أنه كان مكتوباً بجميع الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
- أنه رُتبتْ فيه كل سورة بشكل مستقل في صحف، ثم جُمعت هذه الصحف وشُد بعضها إلى بعض.
- أنه لم يُقبل فيه إلا ما تواترت تلاوته، وأجمع الصحابة على أنه قرآن.
أول من جمع القرآن وسماه بالمصحف
قال أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-: “أعظمُ الناسِ في المصاحفِ أجراً أبو بكر، رحمةُ الله علىٰ أبي بكر، هو أوّل مَن جَمع القرآن”.
قال ابن شهاب: لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق، قال أبو بكر: “التمسوا له اسماً”، فقال بعضهم: السِّفر، قال ابن مسعود: “رأيت بالحبشة كِتاباً يدعونه “المصحف”، فكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه (المصحف).
الجمع الثاني: جمْع عثمان بن عفان رضي اللّٰه عنه
روى البخاري عن أنس بن مالك -رضي اللّٰه عنه- قال: “قَدِمَ حُذَيْفَةُ بْنَ اليَمَانِ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافُهُمْ فِي القِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: “أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى”، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: “أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا في المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ”.
فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ: زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: “إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِم”، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقِ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ، أَنْ يُحْرَق.
قال ابن شهاب: “وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: “فقدتُ آيةً من الأحزاب حين نسخْنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. [الأحزاب: ۲۳] فألحقناها في سورتها في المصحف”.
ميزات جمع عثمان -رضي الله عنه- والباعث عليه
تبيّن الروايات أن الباعث الرئيس على الجمعِ الثاني (جمعِ عثمان) هو رفع الاختلاف والتنازع من بين الناس؛ لاختلافهم في القراءة، فجمَعهم على حَرْف قريش، ويدل على ذلك ما رواه أبو قِلَابَةٌ، قَالَ: “لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ جَعَلَ الْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ، وَالْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ، فَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَلْتَقُونَ فَيَخْتَلِفُونَ حَتَّى ارْتَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ، قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: حَتَّى كَفَرَ بَعْضُهُمْ بِقِرَاءَةِ بَعْضٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: “أَنْتُمْ عِنْدِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَتَلْحَنُونَ فَمَنْ نَأَى عَنِّي مِنَ الْأَمْصَارِ أَشَدُّ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَأَشَدُّ لَحناً اجْتَمِعُوا يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وَاكْتُبُوا لِلنَّاسِ إِمَامًا”.
وإذا كان للجمع الأول مزايا تخصه فلهذا الجمع كذلك، ومنها:
- الاقتصار فيه على حرف واحد وهو حرف قريش، وقد كان بالأحرف السبعة في صحف أبي بكر.
- الاقتصار فيه على ما ثبت بالتواتر وما استقرّ عليه الأمر في العرضة الأخيرة، ولم يكتبوا ما ثبت بطريق الآحاد ولا منسوخ التلاوة.
- ترتيب آياته وسوره على الوجه الحالي المعروف اليوم.
- كتابة عدة نُسخ من المصحف، قيل: إنها خمسة؛ وقال أبو داود: سمعتُ أبا حاتم السجستاني يقول: “كتَب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة والكوفة، وحبس بالمدينة واحداً”.
الفرق بين الجَمعَين: (جمع أبي بكر وعثمان رضي اللّٰه عنهما)
في التفريق بينهما نستعرض آراء بعض علماء الإسلام في ذلك:
قال ابن التين الصفاقسي:
الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حمَلته؛ لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجمَعه في صحائف مُرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ، وجمع عثمان كان لمّا كثُر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضاً، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مُرتباً لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجاً بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة.
وقال الباقلاني: “لم يقصد عثمان قصدَ أبي بكر في جمع نفْس القرآن بين لَوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ وإلغاء ما ليس كذلك، وأَخْذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كُتب مع مثبت رسمه ومفروضِ قراءته وحفظه، خشيةَ دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد”.
خاتمة
ختاماً نستطيع القول: في تعدد المراحل في جمع كتاب الله وتدوينه وتنقله من طور إلى آخر تتجلى حكمة اللّٰه تعالى في حفظ هذا الكتاب العظيم من الضياع أو التحريف أو نحو ذلك، وهذا ما تكفل به ربنا تعالى تكفلاً مشعراً بفخامة هذا الكتاب وقداسته، وهذا ما تدل عليه صيغة التعظيم في قوله تعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
الأسئلة الشائعة عن جمع القرآن وكتابته
يمكن فهم الفروقات من خلال توضيح النقاط التالية:
- الدافع: الجمع الأول كان خشية ضياع القرآن بعد واقعة اليمامة، أما في الجمع الثاني فالدافع كان رفع الاختلاف في القراءة بعد أن فحُش -أي: الاختلاف- بين الناس.
- التنفيذ: في الأول كُلّف زيد بن ثابت كاتب الوحي، يساعده في ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنهما، أما الثاني فنفَّذه أربعة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
- عمل اللجان:
في الأول كانت منهجية الجمع:
- جمع الآيات من الرقاع والعظام والصدور.
- اشتراط وجود شاهدين على كل آية.
أما في الثاني:
- مراجعة النسخة المحفوظة عند حفصة.
- كتابة المصحف بلغة قريش وتجريده من غير القرآن المتواتر.
- كتابة عدة نسخ من القرآن لتوزيعها على الأمصار.
الخشية من ضياع القرآن بعد أن استحرّ القتل بالقراء في واقعة اليمامة من حروب الردة.
كُلّف زيد بن ثابت رضي اللّٰه عنه، وذلك لأنه:
- حافظ للقرآن.
- شهد العرضة الأخيرة.
- من كُتّاب الوحي.
- يتمتع بصفات تجعله أهلاً لذلك؛ مثل خصوبة العقل، وشدة الورع، وعِظَم الأمانة، وكمال الخُلُق واستقامة الدين.
اعتمد زيد -رضي اللّٰه عنه- على:
- المكتوب: مثل الرِّقاع، والعُسُب، واللخاف…
- المحفوظ: صدور الرجال.
تلك المعركة قُتل فيها كثير من أهل القرآن وحَمَلَتِه من الصحابة، الأمر الذي دفع على جمعه خشية ضياعه.
اختلاف الناس في القراءة، وتخطئة بعضهم بعضاً.
لِحَسْم الخلاف وحّد عثمان -رضي اللّٰه عنه- القرآن على لغة قريش؛ لأنه نزل بلسانهم.
زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
حرقها عثمان- رضي اللّٰه عنه- وذلك لـ:
- يقطع مادة النزاع.
- يحصر اعتماد المسلمين على الجادة القويمة في كتاب الله تعالى.
من خلال فرض مصحف موحد، فأدى إلى نبذ الشقاق، ووحدة الصف، ودفع الاختلاف، وجمع الأمة.
العملية الأولى: اختير رئيساً للجمع لما يتميز به من صفات على رأسها أنه من كتّاب الوحي والعملية الثانية: بالإضافة إلى ما سبق كان زيد منفذ الجمع الأول.
استحسنوا ذلك، وحظي الجَمعان بإجماعهم.
عملت اللجنة المكلفة على كتابة عدة نسخ، ثم أُرسلت تلك النسخ إلى البلدان التالية: مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة، وبقيت نسخة في المدينة المنورة مركز الخلافة.
بقيت عندها إلى وفاتها، ومآلُها بعد ذلك فيه ثلاث روايات:
قيل: إنّ مروان بن الحكم أرسل إلى أخيها عبد الله بن عمر أن يرسل إليه هذه الصحف، فأمر بها مروانُ فشُقِّقَت، وقيل: إنه أمر بها فغُسِلَت، وقيل: إنه أحرقها، وعلّلَ ذلك بقوله: “إنما فعلتُ هذا لأن ما فيها قد كُتب وحُفظ بالمصحف الإمام، فخشيتُ إن طال بالناس زمانٌ أن يرتابَ في شأن هذه الصحف مُرتاب”.
هو علم يعرف به مخالفة المصاحف العثمانية للرسم القياسي.
الكاتب : أ. بشار حمو
شارك المقال مع اصدقـائك: