قيمة الأب والأم في الإسلام
هل تساءلت يومًا أيها القارئ عن سلامة علاقتك بوالديك؟ هل تطيعهما فيما يأمران، أو تساعدهما فيما يحتاجان؟ هل تحسن التواصل معهما إن كنت مغتربًا، أو تنفق عليهما إن كنت موسرًا؟
إن بر الوالدين طاعةٌ مقترنة بزمن حياتهما، فليحمد الله من أطال الله بعمر والديه لأنها فرصة لنيل عظيم الحسنات والفوز بالجنات، وليعوض مَن فقدهما ما فاته من جزيل الثواب بحسن الدعاء لهما وطلب المغفرة.
أولاً: مراحل علاقة الأبوين بالأبناء
تبدأ رحلة الأبوة والبنوة والعلاقة بينهما منذ اختيار الخاطب للمخطوبة، ومنذ موافقة المخطوبة على الخاطب، ولعل استعداد الشاب المالي تمهيدٌ لهذه الثمرة الحاصلة من الزواج؛ فالشاب يحرص في مقدمة حياته على جمع المال لتجهيز عش الزوجية بكل ما يستطيع من وسائل لإتمام هذا العش على أكمل وجه.
وتبدأ عناية الوالدين بالمولود القادم منذ أن خلقه الله جنينًا في رحم أمه؛ فيبدأ القلق وتبدأ الفحوصات الدورية خوفًا على الجنين واطمئنانًا على سلامته، ويبدأ تناول الفيتامينات والمكملات الغذائية، والعناية بالصحة، كل هذا لهفةً للقاء المولود القادم الذي تنتظره الأسرتان بفارغ الصبر، حتى إنَّ الأبوين يشتريان ألبسة للطفل، وهو ما يعرف بين الناس بـ(الديارة) ويشتريان لوازم النوم والاستيقاظ من سرير وهزازة وألعاب…، أملًا في مجيء هذا الطفل الذي سيملأ البيت بهجة وفرحًا، وبعد الولادة يحرصان على سلامته ويسهران لأجله لياليَ وأياماً، وإن حصل له مكروه -لا سمح الله- لم يهنأ لهما عيش ولم ترقد لهما عين، وما همهما إلا راحة الطفل وصحته.
تلتقط الأم صورًا للطفل حين يحبو وحين يبكي وحين يضحك…، كل ذلك فرحًا بما يقوم به من حركات وسكنات تملأ البيت بهجة وسرورًا، ثم يمشي ويقلِّد ويرتاد المدرسة، ولا يدَّخرُ الأبوان غاليًا ولا نفيسًا كي يكبر ويدرس ويتعلم، ويشتريان له ما يشاء، تستيقظ الأم باكرًا كل نهارٍ لكي تهيِّئ له فطورًا وتصنعَ له شطيرة، وهي متفائلة بأنَّ له مستقبلًا مشرقًا إلى أن يصل إلى الجامعة ويتخرج ويتزوج وينجب، ويحاصرهما الخوف عليه في كل مرحلة من مراحل حياته.
ثانيًا: طريقة بر الوالدين (كيف نبر آباءنا وأمهاتنا؟)
اقترن بر الوالدين بطاعة الله عز وجلَّ في أكثر من موضع من القرآن الكريم:
قرن الله -سبحانه وتعالى- الإحسان إلى الوالدين بعبادته.
يقول تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنًاۚ﴾ [الإسراء ٢٣]
ثم يوضّح لنا سبحانه كيفية التعامل مع الوالدين.
قال تعالى: ﴿إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا (٢٣) وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرࣰا﴾ [الإسراء ٢٣ – ٢٤]
ترسم لنا هاتان الآيتان منهجًا كاملًا للتعامل مع الوالدين، بدءًا من النهي عن أدنى كلمة تدل على الضيق أو التبرم (أفٍّ)، وصولًا إلى وجوب القول الكريم والخضوع التام لهما بقلبٍ رحيمٍ ودعاءٍ صادق. يقول الطبري في تفسيره عن هذه الآية الكريمة: “وكن لهما ذليلًا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبَّا”.
فالبر ليس مجرد قول باللسان، بل هو سلوكٌ شاملٌ يترجم بالحب والتقدير إلى أفعالٍ ملموسة، ومهما بلغ الأبناء من علم أو مال أو منصب يجب عليهم أن يتواضعوا للوالدين، ويتعاملوا معهما بكل أدب وتقدير، متذكرين فضلهما العظيم.
الانفاق على الأبوين
من حسن المصاحبة للأبوين الإنفاق عليهما طعامًا وشرابًا، ومسكنًا ولباسًا؛ وما إلى ذلك من حاجات المعيشة إن كانا محتاجين، بل إن كانا في عيشة دنيا أو وسطى وكنتَ في عيشة ناعمة راضية فارفعهما إلى درجتك أو زِد، فإن ذلك من الإحسان في الصحبة؛ فيوسف -عليه السلام- وقد أوتي الملك رفع أبويه على العرش بعد أن جاء بهما من البدو.
عدم الإساءة إليهما
وذلك بمنع شتم الناس عنهما؛ بأن يشتم الإنسان آباء غيره فيشتمون أباه، ومنه عدم إلحاق الأذى بالناس؛ فالناس الآن يشتمون آباء من يؤذيهم، ويتهمون الآباء بالتقصير في تربية أبنائهم.
تلبية النداء فورًا
يجب على الابن أن يلبي نداء والديه فورًا، وأن يستشيرهما في أموره؛ ففي ذلك بركة وتوفيق، وإذا كبر الوالدان وضعفت قواهما أو افتقرا وجبت النفقة عليهما من الأولاد القادرين، وهذا من أعظم صور البر وأجلّها.
بر الوالدين والغربة
إن التغير السياسي والاقتصادي الذي طرأ على بلادنا -نحن العرب- في الشرق الأوسط قد أجبر كثيرًا من شبابنا على ترك الأوطان والسفر إلى بلاد الغربة، وهذا ما جعل أكثر الشباب بعيدين عن أهلهم، لا يمكن أن يراهم إلا عبر المكالمات المصورة، ولا يمكن أن يسمع صوتهم إلا من خلال الهاتف، وهذا من أبواب بر الوالدين وصلة الرحم، ومن هذا الباب أيضًا السؤال عن احتياجات الوالدين خاصةً عند الكبر؛ فغالبهم قد كبروا وبلغوا سنًّا صعب عليهم العمل وشقَّت عليهم سبل المعيشة، فينبغي على الأولاد إرسال النقود إليهما يتقويان بها على صعوبات الحياة، خاصة مع الغلاء الذي قد ساد في بلاد العرب.
أيهما أحق بالبر الأب أم الأم؟
يتفاوت الأبوان في الحق؛ فحقُّ الأم أعلى من حق الأب في البر، جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: من أحق الناس بحسن صَحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك.
يدل هذا الحديث على أن لكل من الأبوين حقًا في المصاحبة الحسنة؛ والعناية التامة بشؤونه كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ [لقمان ١٥]، ولكن حق الأم فوق حق الأب بدرجات؛ إذ لم يذكر حقه إلا بعد أن أكد حق الأم تمام التأكيد، بذكرها ثلاث مرات، وإنما علت منزلتها منزلته مع أنهما شريكان في تربية الولد -الأب بماله ورعايته وحمايته وتدريسه، والأم بحملها وإرضاعها وعنايتها …- لأن الأم عانت في سبيل الولد ما لم يُعانِ منه الأب؛ فحملته تسعة أشهر وهنًا على وهنٍ؛ أي: ضعفًا إلى ضعف؛ ووضعته كرهًا؛ يكاد يخطفها الموت من هول ما تقاسي، وكذلك أرضعته سنتين، ساهرة على راحته، عاملة لمصلحته وإن برحت بها في سبيل ذلك الآلام وبذلك نطق الوحي، فتراه وصى الإنسان بالإحسان إلى والديه؛ ولم يذكر من الأسباب إلا ما تعانيه الأم إشارة إلى عِظَم حقها.
البر بعد الموت
من ثمرات الأبوين الأبناء الذين يحيون الذكر الحسن لأبائهم وأمهاتهم؛ فالذكر للإنسان عمر ثانٍ، فإحسان المرء عمومًا يجعل الناس يدعون بالرحمة على من رباه، وإساءة المرء تجعل أباه يُشتم وهو في قبره، فيحرص الإنسان على العمل الصالح كي يدعو الناس لأبويه بالرحمة والمغفرة.
من البر بعد الموت الدعاء للأبوين والتصدق عنهما
أ- التصدق
التصدق عنهما بعد موتهما بر لهما، ففي حديث يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره أن أباه مات وترك مالًا ولم يُوصِ فيه بصدقة ونحوها، أو أنه لم يوص بواجب مالي كان عليه، ككفارة أو نذر، فسأل الرجل النبي -صلى الله عليه وسلم-: “فهل يُكَفِّر عنه أن أتصدق عنه؟” أي: هل يصل إليه ثواب ما أتصدق به عنه، ويمحو ذلك عنه من ذنوبه؟ فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- “أن ثوابه يصل إليه، وأن له أن يتصدق عنه”.
وهذا من بر الوالدين بعد موتهما ومن القيام بحقوقهما.
ب- الدعاء
يرشدنا الله عز وجل في الآية الكريمة: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء ٢٤] إلى أن يكون جزاء الوالدين من جنس العمل كما ربى الوالدان الولد برحمة وعطف يدعو الإنسان لهما بالرحمة بعد موتهما، ومعنى الآية: ادع الله لوالديك بالرحمة، وقل ربّ ارحمهما، وتعطف عليهما بمغفرتك ورحمتك، كما تعطَّفا عليك في صغرك، فرحماك وربياك صغيرًا، حتى استقللت بنفسك، واستغنيت عنهما.
هل إساءة الوالدين إلى الولد تنفي برهما؟
إنَّ حق الوالدين لا يسقط عنك بسبب ظُلمهما أو إساءتهما، إنَّ الله تعالى أمر بالإحسان إليهما حتى لو كانا مشركين يأمران ولدهما بالكفر، قال -عز وجل-: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان ١٥].
وقد بوَّب الإمام البخاري في كتابه (الأدب المفرد) بابًا بعنوان: (بر الوالدين وإن ظلما) أورد فيه أثرًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “ما من مسلم له والدان مسلمان، يُصبح إليهما محتسبًا، إلا فتح الله له بابين من الجنة، وإن كان له واحد فباب واحد، وإن أغضب أحدهما لم يرضَ الله عنه حتى يرضى عنه والداه. فقيل له: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه”.
الوالدان والإخوة
إنَّ مما يُفرح الأبوين وينشر السرور في قلبيهما التعاون بين الإخوة والتواصل فيما بينهم، ومساعدة بعضهم بعضًا في شؤون الحياة كافة.
ثالثًا: ثمرات بر الوالدين
إن بر الوالدين ليس واجبًا فقط، بل هو استثمارٌ عظيمٌ يثمر خيرًا وبركة في الدنيا وفي الآخرة؛ فمن ثمرات بر الوالدين: رضا الله تعالى وتوفيقه؛ فمن أرضى والديه فقد أرضى ربه، ومن أرضى ربه فتحت له أبواب الخير والتوفيق:
تيسير الأمور
ومنها أيضًا تيسير الأمور وتفريج الكروب، جاء في حديث الثلاثة الذين كانوا في الغار قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنَّه -والله يا هؤلاء- لا ينجيكم إلا الصدق، فلْيَدْعُ كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه”، فقال الثاني: “اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رَقَدَا، وأهلي وعيالي يَتَضَاغَوْنَ من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساحت عنهم الصخرة”.
كان ثلاثة رجال قد لجؤوا إلى غار فانطبق الغار عليهم، فلا يستطيعون الخروج، فاقترح أحد منهم أن يتضرعوا إلى الله بعمل صالح قد فعلوه، وكان بينهم رجل يبَرُّ والديه بشكل كبير ويسقيهما الحليب في الصباح وفي المساء قبل أن يسقي أولاده فيرأف بأبويه، وفي ليلة من الليالي تأخر في العودة إلى البيت فوجد أنَّ أبويه قد ناما، فوقف ينتظر استيقاظهما وتحت قدميه أولاده يصرخون ويبكون يريدون أن يشربوا الحليب وهو لا يعطيهم بل ينتظر أباه وأمه إلى أن استيقظا في الفجر، فعلى الرغم من تعبه وعمله آثر أن ينتظر والديه، ورغم صياح فلذات كبده وجوعهم آثر أن يبَرَّ والديه، والنتيجة أنْ فرَّج الله عنهم في الغار.
الجزاء من جنس العمل
ومن ثمرات البر: بر الأبناء في المستقبل؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، فمن برَّ والديه، بارك الله له في ذريته ورزقه أبناء بارين به، يكونون له عونًا وسندًا في شيخوخته.
دخول الجنة
ومن أعظم ثمرات بر الوالدين دخول الجنة، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الوالدين هما “أوسط أبواب الجنة”، فمن حافظ على هذا الباب فاز بالجنة بإذن الله. (رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما) عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه”.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم قال-: “رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة”.
ومعنى الحديث: رغم: ذلَّ، وقيل: كُرِهَ وخزي، وأصل الرَّغْمِ: لصق الأنف بالتراب المختلط بالرمل، ومعلوم أن الفعل الماضي يدلُّ على الدعاء في اللغة العربية؛ أي: يدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- على من أدرك أحد والديه أو أدرك كليهما ولم يكونا سببًا في دخوله الجنة بالذل والخزي، وفي حديث آخر جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أردت الغزو وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها. رواه أحمد وغيره.
دعاء الأب أو الأم على الولد دعاء مستجاب
عدَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوة الوالد على ولده من الدعوات المستجابة، فقال: “ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم”.
وفي حديث آخر نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- الوالد أن يدعو على ولده إلا بخير: “لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم”؛ فعلى الإنسان أن يتجنب إغضاب الوالدين، وعلى الوالدين أن يتجنبا الدعاء على أولادهم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على دعائهما.
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- في (قصة جريج وأمه) الواردة في صحيح مسلم وغيره: “ولو دعت عليه أن يفتن لفتن”. دليل على أن دعوة الأم على ولدها مستجابة، فنسأل الأمهات والآباء أن يترفقوا على الأولاد وألا يدعوا عليهم، وأن يصبروا عليهم كما صبروا عليهم في الصغر، ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَ ٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٤﴾ [الشورى] وأولى من يصبر عليه الإنسان أولاده.
سعة الرزق
ومنها سعة الرزق وطول العمر: جاء في الحديث النبوي الشريف: “من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه”. والوالدان هما رأس الرحم.
رابعًا: قصص من بر الوالدين
- ذكر الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) قصة التابعي الجليل أويس القرني الذي وصفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه بار بوالدته، وبأن دعاءه مستجاب، وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب أن يطلب منه أن يستغفر له، وكان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أناس من أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: مِن مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكانَ بك برص، فَبَرَأْتَ منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: ألك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فَبَرَأَ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل” فاستغفر لي. قال: فاستغفر له. جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكافأة بر أويس له دعاءً مستجاباً.
- وكان زين العابدين -وهو من سادات التابعين- كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة؟ (أي في صحن واحد) قال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها.
- عبد الله بن عون الذي وصفه الذهبي بأنه الإمام القدوة عالم مدينة البصرة نادته أمه فأجابها، فارتفع صوته فوق صوتها فأعتق رقبتين.
خاتمة
إنَّ برَّ الوالدين ليس خيارًا، بل هو فريضةٌ إسلاميةٌ عظيمةٌ، وسبيلٌ موصلٌ إلى رضا الله وسعادة الدارين.
فلنتدبر آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي تحثُّنا على هذا الخُلُق العظيم، ولنجعل حياتنا ترجمة عملية لتلك الوصايا الإلهية، لنبادر إلى الإحسان لوالدينا، حَيَّيْنِ كانا أو ميتين؛ بالقول الطيب، والفعل الحسن، والدعاء الصادق، ففي برهما سعادة لا تضاهيها سعادة، وتوفيق لا يقطعه انقطاع، وجنة عرضها السماوات والأرض، يقول الله تعالى: ﴿أنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾؛ أي: عهدنا إلى الولد أن اشكر لي على نعمي عليك، ولوالديك تربيتهما إياك، وما عالجا من المشقة حتى استحكمت قواك، وفي نهاية هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿إليَّ المَصِيرُ﴾؛ أي: إلى الله مصيرك أيها الإنسان، وهو سائلك عما كان من شكرك له على نعمه عليك، وعما كان من شكرك لوالديك، وبرّك بهما على ما لقيا منك من العناء والمشقة في حال طفولتك وصباك، وما قدّما إليك في برّهما بك قبلُ، وتحننهما عليك.
الأسئلة الشائعة عن قيمة الأب والأم في الإسلام
نعم، على البناء والبنات جميعًا؛ إلا إنْ رفض الزوج فحقه مقدم على حق الأبوين، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ الوالدين إذا كانا في حاجة شديدة لخدمة ابنتهما فإنها تخدمهما ولو منعها زوجها.
نعم، بر الوالدين طريق من طرق الجنة.
نعم، يجب البر على الولد مع إساءة الوالدين إليه.
من خلال الاتصال بهما والاطمئنان عليهما والسؤال عما يحتاجانه، ومن خلال إرسال النقود لهما، وجعل الأحفاد يتواصلون مع جدهم وجدتهم.
من خلال الدعاء لهما، والتصدق عنهما، وزيارة أصدقائهما.
من خلال رواية قصص عن ثمرات بر الوالدين، ومن خلال ذكر الآيات التي عطفت طاعة الوالدين على طاعة الله، ومن خلال ذكر الأحاديث النبوية التي ذكرت أن الأبوين باب من أبواب الجنة.
نعم، جاء في الحديث: “ثلاث دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالدين على ولدهما”.
الكاتب : أ. إبراهيم طوبجي
شارك المقال مع اصدقـائك: